الشيخ محمد الصادقي الطهراني

20

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

كُذِبُوا » كذبهم كل هؤلاء . فالكافرون كذبوهم صراحاً ، والمنافقون نفاقاً ، والمؤمنون ضعفاً في الإيمان ، وإنما جاء الظن ليشمل الكل ، مهما كان ظنهم بالنسبة للكافرين يقينا وبالنسبة للمنافقين ظناً قوياً ضارباً إلى علم ، وبالنسبة للمزلزلين من المؤمنين ظناً خفيفاً طفيفاً ، إذ إنهم إن كانوا صادقين في إيمانهم لما زلزلوا . ذلك - كما وإن « مَتى نَصْرُ اللَّهِ » بعد « وَزُلْزِلُوا » قد تؤيد ذلك الظن . هذا ! والجمع بين المحتملين أجمع وأجمل ، ظنا من الرسل هكذا وظنا من غير المؤمنين ، بل والمؤمنين الضعفاء ، وهكذا يبتلى المؤمنون بزلازل الإيمان تمحيصا لهم . هذا ! وكما يحتمل بجنبه أن يكون « أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ » من اللّه إلى الرسول فأجاب بما قال اللّه ، وقد نجد لذلك اللف والنشر نظائر في القرآن منها : « وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ » ( 28 : 73 ) حيث الأول للأول والثاني للثاني ، وفي آيتنا عكس الأمر رعاية لحرمة الرسول « حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ » ثم قدم مقالة المؤمنين « مَتى نَصْرُ اللَّهِ » لأنها سؤال يتقدم على الجواب ، ثم الجواب « أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ » وقد يكفي هذا جواباً ويفي عن السؤال : كيف يقول الرسول : متى نصر اللّه ؟ استبعاداً له واستعجاباً ؟ حيث الرسول لا يقول قوله هذا إلّا رعاية للذين آمنوا معه خوفة على تزعزعهم ، ولا يعدوا قوله هذا عن كونه دعاءً واستدعاءً وكما امر اللّه : ادعوني استجب لكم ، ولولا جانب المؤمنين المتزلزلين لكانت حاله : علمه بحالي حسبي وكفاني ، كما نعرفه من صبره العظيم أمام الرزايا الفادحة والبلايا القادحة وكما أمر « فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ » ولكنه مع ذلك يؤمر للمؤمنين : « وصل عليهم » استرحاماً لهم في زلازلهم . وقد يكون « مَتى نَصْرُ اللَّهِ » من الذين آمنوا معه ، ثم « أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ » جواباً للرسول عن سؤالهم ، ولو كان السؤال منه كما منهم لكان صحيح التعبير أو أصحه « متى نصرك يا رب » .